العودة للخلف

(الرابع عشر) تأملات في آيات الصيام (2)

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 3

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187].

في هذه الآية إشارةٌ إلى مشروعيَّة السحور، والسُّحُورُ: هو الأكلُ في آخِرِ الليل سُمِّي بذلكَ لأنَّه يقعُ في السَّحَرِ.

وقد أمَرَ النبيُّ به؛ فقال: «تَسحَّروا فإنَّ في السحورِ بركةً»، متفق عليه([1]).

ومن بركته: الامتثال والعمل بالسنة، والقوة على الصيام بحيث تخف على المتسحّر مشقة الصِّيام، والأجر المرتب فيه، والذكر والدعاء والاستغفار في ذلك الوقت الفاضل، وغير ذلك من بركاته.

وقد سمّاه النبيُّ : «الغداء المبارك»([2]). وسمي: الغداء: لقربه من الغداة ولهذا يقال لصلاة الفجر: صلاة الغداة، ولأنه بمثابة الغداء تقدَّم قليلًا.

وأخرج النسائي عن رجل من أصحاب النبي قال: دخلت على النبي وهو يتسحَّر فقال: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فَلَا تَدَعُوهُ»([3]).

وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاصِ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ قال: «فَصْلُ ما بَيْنَ صيامِنَا وصيامِ أهلِ الكتاِب أكْلةُ السَّحَر»([4]).

قال القرطبي رحمه الله: «هذا الحديث يدل: على أنه من خصائص هذه الأمة، ومما خُفِّف به عنهم» انتهى([5]).

وفي المسند وصحيح ابن حبان أنَّ النبي قال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ»([6]).

ويشرع في السحور أمور:

الأول: تأخيره، وهو ظاهر الآية فإنه أباحَ الأكل إلى أنْ يتبيَّن الصُّبح.

قال ابن عبدالبر رحمه الله: «الْآثَارِ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ السَّحُورِ: مُتَوَاتِرَةٌ صِحَاحٌ»([7]).

الثانـي: أنْ يكونَ في سحوره: تمر. فقد قال النبي : «نِعْمَ سَحُورُ المؤمنِ التمرُ»([8]).

وفي المسند عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَرْتُ بِنَبِيِّ اللهِ وَهُوَ يَتَسَحَّرُ يَأْكُلُ تَمْرًا فَقَالَ: «تَعَالَ فَكُلْ» فَقُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ الصَّوْمَ. فَقَالَ: «وَأَنَا أُرِيدُ مَا تُرِيدُ». فَأَكَلْنَا، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ فَكَانَ بَيْنَ مَا أَكَلْنَا، وَبَيْنَ أَنْ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً([9]).

الثالث: ألا يدعه ولو بشربة ماء. ولاسيما من كان في المسجد الحرام ومكة يشرب من الماء المبارك أي زمزم. فقد قال النبي : «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ»([10]).

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وَيَنْبَغِي للمُتسحِّر أنْ ينْويَ بِسُحُوره امتثالَ أمر النبي ، والاقْتداءَ بفعلِهِ، ليكونَ سُحُورُه عبادةً، وأنْ ينويَ به التَّقَوِّي على الصيام ليكونَ له به أجرٌ»([11]).

* قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].

في الآية المبادرة إلى الإفطار متى تحقَّق مِن غروب الشمس، وقد قال النبي : «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» متفق عليه([12]).

وفي المسند أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يَزَالُ الدّين ظاهِرًا ما عجَّل الناسُ الفِطْر، لأنَّ اليهودَ والنصارى يُؤخِّرون»([13]). لكن لا يجوز الفطر قبل تحلة الصوم فقد ورد فيه وعيدٌ شديد عن النبي ﷺ([14]).

وفي الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنَّ النبيَّ قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ، وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»([15]).

ومَن لم يجد ما يفطر به فإنه ينوي الفطر، وقَطْع الصَّوم، حتى يتيسر له ما يأكله أو يشربه. ويُشرع أن يدعُوَ عند فِطرِه بما أحَبَّ من خيري الدنيا والآخرة([16]).

* قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].

في الآية فضيلة الاعتكاف، وهو: لُزُومُ المسجِد للتَّفَرُّغِ لطاعةِ الله عز وجل وهو من السنن الثابتة بالنص والإجماع.

وقد اعتكفَ النبيُّ واعتَكَفَ أصحابُه معه، وبعْدَه.

وفي الصحيحين عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ  خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ». وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزَعَةٌ، فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَرْنَبَتِهِ، تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ. وفي رواية: من صبح إحدى وعشرين([17]).

وفي الصحيحين عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كان النبي يعتكفُ العشرَ الأواخرِ مِنْ رمضانَ حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجُه مِن بعدِه»([18]).

وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ «يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا»([19]).

ومَن أراد اعتكاف العشر كلها دخَل معتكَفه ليلةَ الحادي والعشرين عند غروب الشمس، ويخرج أيضًا غروب شمس آخر أيام العشر. للأحاديث التي فيها: كان يعتكف العشر، وليلة إحدى وعشرين منها، ولحديث أبي سعيد في الصحيح وفيه أنه رجع معتكفه مستقبلًا ليلة إحدى وعشرين([20]).

واستحبَّ بعضُ العلماء: أنْ يخرج مِن معتكفه إلى المصلى، وهذا ليس بلازم ومَن فعله فهو في طاعة.

قال العلَّامة ابنُ عثيمين رحمه الله: «والمقصود بالاعتكاف: انقطاعُ الإِنسانِ عن الناسِ لِيَتَفَرَّغَ لطاعةِ الله في مسجدٍ من مساجِده طلباً لفضْلِهِ وثوابِهِ وإدراكِ ليلة القَدْرِ، ولذلك ينْبغِي للمعتكفِ أنْ يشتغلَ بالذِّكرِ والقراءةِ والصلاةِ والعبادةِ، وأن يتَجنَّب ما لا يَعْنِيه من حديثِ الدنيَا ولا بأسَ أنْ يتحدثَ قليلًا بحديثٍ مباحٍ مع أهْلِه أو غيرهم لمصلحةٍ.

ويحرُمُ على المعتكفِ الجِماعُ ومُقَدّمَاتُه، ولا يخرج من معتكفه إلا لأمرٍ لا بُدَّ منه طبعاً أوْ شرعاً كقضاءِ الحاجة، والأكلِ والشربِ فيجوز»([21]).

ونسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.

 


([1]) البخاري 1923 ، ومسلم 1095 عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

([2]) أخرجه أبو داود 2344، والنسائي 2163، وأحمد 17143، 17192، وهو في صحيح أبي داود 2030 غراس، والصحيحة 2983،  3408 .

([3]) سنن النسائي 216 ، مسند أحمد 23113، وهو في الجامع الصحيح 1464.

([4]) صحيح مسلم 1096.

([5]) المفهم 3/156 .

([6]) مسند أحمد 11086، ابن حبان 3458 تعليقات، وهو في الصحيحة 1654، 3409.

([7]) الاستذكار 3/ 345 بتصرف. وانظر: الصحيحة 1773 .

([8]) أخرجه ابن حبان 3466 تعليقات ، وهو في الصحيحة 562 .

([9]) مسند أحمد 21671 .

([10]) مسند أحمد 11086، (17/ 150).

([11]) مجالس رمضان ص 76.

([12]) البخاري 1957، ومسلم 1098.

([13]) مسند أحمد 9810، التعليقات الحسان 7448 ، الصحيحة 3951 ، الجامع الصحيح 646.

([14]) صحيح أبي داود 2038، التعليقات الحسان 3494، وهو في الجامع الصحيح 3897.

([15]) البخاري 1954 ، ومسلم 1100.

([16]) انظر: دروس رمضان 77 ، لقاء الباب المفتوح 6/223.

([17]) البخاري 813، 2027، 2036 ، ومسلم 1167 وعن ابن عمر رضي الله عنهما مثله البخاري 2025 ، ومسلم 1171 .

([18]) البخاري 2026 ، ومسلم 1172 .

([19]) صحيح البخاري 2044 .

([20]) البخاري 2018 ، ومسلم 1167 ، وانظر فتح الباري 5/493 طيبة.

([21]) دروس رمضان 157.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح